محمد جمال الدين القاسمي

450

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وموجد ، وما ذاك إلا اللّه سبحانه وتعالى . فهؤلاء المجوس يلزمهم القطع بأن خالق إبليس هو اللّه تعالى . ولما كان إبليس أصلا لجميع الشرور والآفات والمفاسد والقبائح ، والمجوس سلّموا أن خالقه هو اللّه تعالى ، فحينئذ قد سلموا أن إله العالم هو الخالق لما هو أصل الشرور والقبائح والمفاسد . وإذا كان كذلك امتنع عليهم أن يقولا : لا بد من إلهين ، فسقط قولهم . انتهى ملخصا . وقوله تعالى : وَخَرَقُوا لَهُ أي : اختلقوا وافتروا له بَنِينَ كقول أهل الكتابين في المسيح وعزير وَبَناتٍ كقول بعض العرب في الملائكة . قال الزمخشري : يقال خلق الإفك وخرقه واختلقه بمعنى . وسئل الحسن عنه فقال : كلمة عربية كانت العرب تقولها . كان الرجل إذا كذب كذبة في نادي القوم يقول له بعضهم : قد خرقها واللّه ! ويجوز أن يكون من ( خرق الثّوب ) إذا شقه : أي اشتقوا له بنين وبنات . وقرئ وَخَرَقُوا بالتشديد للتكثير لقوله ( بنين وبنات ) . بِغَيْرِ عِلْمٍ أي : من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوه من خطأ أو صواب ، ولكن رميا بقول عن عمى وجهالة ، من غير فكر وروية ، أو بغير علم بمرتبة ما قالوا ، وأنه من الشناعة والبطلان بحيث لا يقادر قدره . وفيه ذم لهم بأنهم يقولون بمجرد الرأي والهوى . وفيه إشارة إلى أنه لا يجوز أن ينسب إليه تعالى إلا ما جزم به ، وقام عليه الدليل . ثم نزه ذاته العلية عما نسبوه إليه بقوله : سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ من أوصاف الحوادث الخسيسة من المشاركة والتوليد . ثم استدل تعالى على بطلان ما اجترءوا عليه بوجوه أربعة . بدأ منها بقوله القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 101 ] بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 101 ) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي : مبدعهما بلا مثال سبق . وقيل : بمعنى عديم النظير فيهما . قال أبو السعود : والأول هو الوجه . والمعنى : أنه تعالى مبدع لقطري العالم العلويّ والسفليّ ، بلا مادة ، فاعل على الإطلاق ، منزه عن الانفعال بالمرة . والوالد عنصر الولد منفعل بانتقال مادته عنه ، فكيف يمكن أن يكون له ولد ؟ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ أي : من أين وكيف يكون له ولد - كما